وسائل الإعلام العبرية لا تكتفي بتغطية وقائع الحرب بل تقوم بهندستها

الناصرة ـ : تكبّل السلطات الإسرائيلية وسائل الإعلام في تغطياتها خلال الحرب الدائرة مع إيران أكثر من مما كان في حروب سابقة. هذا ما يؤكده مراقبون إسرائيليون وفلسطينيون على حد سواء استنادا لمعاينة ما جرى في الشهر الأول من الحرب. وحتى الإعلام العبري نفسه شهد نقاشا يتركز على كيفية إدارة هذه المعطيات وضبطها ضمن إطار منظم يوجّه إدراك ووعي الجمهور ويعيد تشكيل فهمه لمسار الحرب. طبقا للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية يُفسَّر هذا التراجع ضمن رؤية مركزية تقوم على «منع تقديم أي مساعدة للعدو في زمن الحرب»، وهو خطاب بات يشكّل إطاراً ناظماً للسلوك الإعلامي في المجالين الرسمي وغير الرسمي داخل إسرائيل. وينبّه «مدار» لطبيعة العلاقة المتداخلة بين الرقابة العسكرية والإعلام في إسرائيل، حيث تشكّلت هذه العلاقة عبر عقود كإطار ناظم للعمل الإعلامي خاصة في سياقات الحرب وفي ما يتعلق بالمعلومات الأمنية، وينص القانون على أن كل من يقوم بطباعة أو نشر مواد مطبوعة أو منشورات تتعلق بأمن الدولة يجب أن يقدمها إلى الرقيب قبل الطباعة أو النشر. ويقول أيضا إنه فيما تعزز هذا الإطار في السنوات الأخيرة عبر تشريعات وإجراءات إضافية داخل الكنيست، مثل القوانين التي حظرت عمل بعض القنوات الإعلامية أو ما عرف بقانون «»، وملاحقة صحافيين فلسطينيين بتهمة «التحريض».

رؤية إسرائيلية

إسرائيليا يطرح الصحافي والمحلل السياسي رفيف دروكر عبر القناة 13 تساؤلات مباشرة حول غياب نشر مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية، وعدم عرض مشاهد اعتراضها كما كان يحدث في جولات سابقة، إضافة إلى غياب الأرقام الدقيقة المرتبطة بعدد الصواريخ في كل رشقة. ولم يقتصر نقد دروكر على اللحظة الراهنة، بل أشار إلى مسار تطوري واضح في سياسات النشر، يمكن تلخيصه في ثلاثة أنماط رئيسة: أولاً: مرحلة النشر الدقيق، كما في حرب لبنان الثانية العام 2006 حيث عُرضت مواقع السقوط بشكل واضح ومحدد. ثانياً: مرحلة التحديدات التقريبية، حيث جرى تقليص الدقة المكانية مع الإبقاء على قدر تقريبي من المعلومات. ثالثاً: المرحلة الحالية، التي تتميز بالامتناع شبه الكامل عن نشر المواقع أو المعطيات الكمية الدقيقة للصواريخ أو الخسائر. وأكد دروكر أن هذا الحجب لا يقتصر على المناطق المدنية إذ يمتد إلى القواعد العسكرية والمواقع الحساسة، التي لا يُكشف عنها حتى بعد مرور فترات زمنية طويلة. من جانبه تطرق جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس» إلى زاوية أخرى وقدم نقداً أكثر حدة، إذ يرى أن الإعلام الإسرائيلي تجاوز مرحلة الامتثال التقليدي للرقابة إلى مرحلة جديدة من الرقابة الذاتية. يلاحظ ليفي أن المراسلين يعرضون تفاصيل هامشية مثل أضرار طفيفة، ويحرصون في الوقت نفسه على تأكيد أن ما يُعرض تم بموافقة الرقابة، رغم أن القانون لا يفرض هذا السلوك ولا تطلبه الرقابة العسكرية وهنا يتحول الامتثال من التزام مفروض إلى ممارسة طوعية معلنة. ويوضح ليفي أن هذا التحول الخطير في مفهوم مهنة الصحافة قد بدأ يتفاقم بعد السابع من أكتوبر. على مستوى الصحافة الداخلية، أشار الصحافي نيتسان شابيرا من القناة 12 إلى أن الرقابة منعت نشر معلومات حول احتمال تصعيد من حزب الله قبل أن تُنشر لاحقاً عبر وكالة سي إن إن ما أتاح تداولها داخل إسرائيل. ويدفع هذا الواقع الصحافيين إلى استخدام أساليب غير مباشرة لنقل المعلومات مثل الاعتماد على بيانات الحرس الثوري أو حزب الله. في 10 آذار/مارس 2026، استندت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية مثل صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى بيانات حزب الله لتحديد الأهداف في محاولة للالتفاف على القيود المفروضة. أما على مستوى الإعلام الدولي، فقد أشارت صحيفة «تايمز أوف يسرائيل» في مقال لها يوم 10 آذار/مارس 2026 نقلاً عن وكالة «أ.ف.ب» إلى أن الحكومة الإسرائيلية شددت قيودها مع تصاعد الحرب مع إيران، بما يشمل حظر ما يلي: البث المباشر لأفق المدن أثناء الإنذارات، تصوير اعتراض الصواريخ، تصوير مواقع سقوط الصواريخ قرب مواقع حساسة، نشر معلومات عن الخطط العسكرية ومنظومات الدفاع. بالإضافة إلى ذلك، لم يقتصر نمط إدارة المعلومات على الحجب والمنع وإنما امتد في بعض الحالات إلى نشر معلومات مضللة وكاذبة، كما تكشف حادثة المراسل العسكري في القناة 12 نير دفوري الذي نشر مقطعاً كاذباً ادّعى أنه فوق طهران وفيه تبدو قاذفة أمريكية من طراز «بي 2» تحلق فوق طهران ليست سوى لعبة محاكاة عسكرية منشورة منذ سنوات، فيما أعادت القناة 14 بث المقطع بوصفه مادة حقيقية عبر منصاتها. وتكررت حوادث أخرى في الإعلام الإسرائيلي مما أثار موجة سخرية على منصات التواصل الاجتماعي في إسرائيل حيث نشر المستخدمون مقاطع مشابهة من ألعاب أخرى مرفقة بتعليقات ساخرة. وتندرج هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع يتمثل في الانتشار المتسارع للمحتوى المضلل والمولّد بالذكاء الاصطناعي خلال الحرب حيث يشير خبراء في دراسات الإعلام الرقمي إلى أن حجم هذا النوع من المحتوى بلغ مستويات غير مسبوقة في النزاعات الحديثة ما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والتضليل حتى لدى الجمهور المتابع بشكل يومي.

ثلاثة مجالات

في الإجمال العام وطبقا لمركز «مدار» ينعكس أثر القيود الإسرائيلية على الصحافة خلال الحرب على إيران ضمن ثلاثة مستويات مترابطة، وهي على النحو التالي: أولاً: على المستوى النظري، ينتج أثر معرفي مباشر يمكن تفسيره عبر نظرية تحديد الأجندة حيث لا يقتصر حجب المعلومات الأساسية على تقليص حجم المعرفة المتاحة ويمتد إلى ضبط ما يمكن التفكير فيه داخل المجال العام. يؤدي ذلك إلى تشكل وعي ناقص داخل المجتمع قائم على صورة غير مكتملة للواقع ما يفضي إلى تضليل عملي حتى من دون تقديم معلومات خاطئة بشكل صريح. ثانياً: على المستوى الخارجي، يفضي هذا النمط إلى خلق حالة من الغموض لدى الخصم سواء إيران أو حزب الله، إذ يحد من قدرته على تقييم نتائج ضرباته بصورة دقيقة. في المقابل يعرض الإعلام الإسرائيلي نجاحات تعزز شعوراً داخل المجتمع الإسرائيلي بالإنجاز حتى في ظل غياب قاعدة معلوماتية واضحة وشاملة. ثالثاً: على مستوى التحليل السياسي، يتغذى المحللون خاصة في السياق العربي والفلسطيني على البيئة المعلوماتية المحدودة نفسها التي ينتجها هذا النمط الإعلامي الإسرائيلي في أغلب الأحيان. وفق مقاربة بناء الواقع الإعلامي، يتحول الإعلام إلى منتج للفكرة والتصور ما يؤدي إلى تشكل تقديرات استراتيجية لدى الطرف المقابل مبنية على معطيات ناقصة ويعيد إنتاج الفجوة بين الواقع الفعلي وصورته المتداولة. يشار أن منظمة «مراسلون بلا حدود» قد أوضحت في 11 آذار/مارس الماضي في بيان أنه منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران صعّدت بعض دول المنطقة إجراءاتها القمعية تجاه وسائل الإعلام وشدّدت الخناق على الصحافيين بما فيها إسرائيل.

0 Comments